احمد سعد
02-06-2008, 06:07 PM
تختلف زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش الحالية إلى المنطقة عن زياراته المحدودة السابقة، من ناحيتين أساسيتين هما: أولاً وضعية بوش نفسه في العام الأخير لولايته الثانية، وثانياً اختلاف التوازنات الإقليمية عما كانت عليه قبل أربع سنوات. ولئن أصبح تقليداً في الأدبيات السياسية الأميركية وصف الرئيس الأميركي في عام ولايته الأخير باعتباره "بطة عرجاء"، بسبب تدني قدراته على اتخاذ القرارات المهمة، فإن الرئيس الأميركي الحالي يأتي إلى المنطقة وقد تغيرت عما كانت عليه بعد احتلال العراق مباشرة. وانعكس هذا التغير في الأحوال على وضعية المنطقة فاختلف وضعها من متلقٍ لتصورات بوش عن الديموقراطية ومكافحة الإرهاب، إلى وسيلة ممتازة لتعزيز مواقع إدارته في مواجهة خصومها في مجلسي الشيوخ والنواب ودعم حظوظ المرشح الجمهوري في انتخابات رئاسة الجمهورية التي ستجرى نهاية العام الحالي.
وبحسب التصريحات الرسمية الأميركية تهدف زيارة بوش إلى تحقيق هدفين أساسيين: أولاً تظهير نتائج مؤتمر أنابوليس للسلام، وصولاً إلى تسهيل تسوية ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وثانياً دعم الاستقرار الإقليمي والتأكيد على التزام واشنطن بأمن أصدقائها في الخليج، أي بصريح العبارة محاصرة إيران إقليمياً.
تنعكس أهداف الزيارة على محطاتها، فزيارة إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة ومصر هدفها الأساس دفع عملية السلام، أما زيارة السعودية والكويت والبحرين والإمارات فتندرج في خانة الهدف الثاني أي رص صفوف الاصطفاف الإقليمي في مواجهة إيران. أو بمعنى أدق إبقاء هذا الاصطفاف قائماً في مواجهة إيران حتى يتسلم رئيس أميركي جديد الملف، خصوصاً بعد الكشف عن سرية تقدير وكالة الاستخبارات الوطنية الأميركية بخصوص إيران وملفها النووي، والذي صب ماء بارداً على خطط بوش بشأنها.
سيستقبل قادة هذه الدول الرئيس الأميركي وهم على وعي بتغير الوضع، لذلك سيستمعون في كياسة ويداورون في لباقة دون أن يخشوا ضغطاً جديداً أو ينساقوا وراء تقديرات مبالغ فيها بشأن قدراته في عام ولايته الأخير. أظهرت تجربتهم مع بوش وإدارته أن وعوده بتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي، بما فيها إقامة دولة فلسطينية بحلول 2005، لا تصمد أمام اللاءات الإسرائيلية. ويختلف بوش عن رؤساء أميركيين عظام، مثل جيمي كارتر أو بيل كلينتون، من نواح عديدة أبسطها عدم إيمانه بالسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ناهيك عن قدرته على الالتزام بالوعد وإيمانه الديني الذي يذهب به حداً لم يبلغه أي من الرؤساء الأميركيين السابقين في الالتزام بأمن إسرائيل ومصالحها.
أظهرت تجربة الزعماء العرب مع بوش أن أولوياته هي في طور دائب من التبدل والتحول، وهو ما يفقد حلفاء واشنطن في المنطقة صدقيتهم أمام شعوبهم قبل خصومهم. والدليل الأبرز على ذلك تأرجح مواقف الإدارة الأمريكية حيال محور إيران وسوريا، من التصعيد إلى الحوار إلى المواجهة في الساحات المختلفة، على نحو يجعل حلفاء واشنطن خاسرين بخسارتها وخاسرين أيضاً عند ربحها. ستدخل السياسة الأميركية حيال إيران في عهد "البطة العرجاء" تاريخ العلاقات الدولية والمنطقة من أوسع أبواب الإفلاس السياسي، فلا بوش يستطيع توجيه ضربة عسكرية لطهران، ولا تسمح اقتناعاته الإيديولوجية "الإلهية" بخوض حوار استراتيجي جاد على قضايا المنطقة معها.
وواشنطن التي زادت من عديد قواتها المسلحة في المنطقة أكثر من أي وقت مضى، عاجزة عن ترجمة هذا الحضور العسكري الأضخم في تاريخ المنطقة إلى نفوذ سياسي، وهي النتيجة التي يمكن ملاحظتها بوضوح على طول المنطقة الممتدة من معبر خانقين شمالاً وحتى قطاع غزة جنوباً، مروراً بسوريا وجنوب لبنان. لم تؤدِّ حروب بوش في المنطقة، ومنها حرب احتلال العراق، سوى إلى تعزيز حضور إيران الإقليمي، أما "نشر الديموقراطية" على الطريقة البوشية فأفضى إلى تكبيل حركة حلفاء واشنطن في الإقليم، الذي تتباكى إدارة بوش على توسع النفوذ الإيراني فيه. وإذ تتحاور إدارته مباشرة مع طهران حول العراق، فإنها تضغط على الدول العربية لمنعها من إجراء حوار مماثل حول مصالح الطرفين المشروعة في المنطقة.
هزت شعارات "الوحي الإلهي" و"من ليس معنا فهو ضدنا" و"الحرب الصليبية" و"الفاشية الإسلامية" صورة أميركا في المنطقة والعالم كما لم تهزها أحداث الحادي عشر من أيلول الإرهابية، ولذلك سيتعين على خليفة بوش في البيت الأبيض أن يبذل الكثير والكثير من الجهد المخلص، لترميم الصورة وإزالة آثار العدوان على القانون الدولي والعلاقات الدولية والحريات الفردية في الولايات المتحدة الأميركية. كما أضعفت سياسات بوش من حظوظ المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة أمام أي من المرشحين الديموقراطيين اللامعين هيلاري كلينتون أو باراك أوباما، وبغض النظر عن اسم المرشح الجمهوري سواء كان رودي جولياني وجون ماكين أو مات رومني وحتى مايك هاكسبي.
تأتي "البطة العرجاء" إلى الشرق الأوسط بعد أن مسخت في عام ولايتها الأخير، فقد كانت فيلاً يحطم باندفاعاته الحمقاء توازنات المنطقة وحساسياتها، كلما التفت حطم وأينما اتجه هشم. لذلك لن تسفر جولة رئيس الدولة الأعظم في العالم إلى المنطقة عن جديد يذكر سوى اللقطات التذكارية الباهتة والكلمات الخالية من المعنى والبريق، إنها -على الأرجح- زيارة بوش الأخيرة إلى مقبرة أوهامه، حيث يرقد بسلام مشروعه الأكبر: "الشرق الأوسط الجديد".
- القاهرة
(رئيس تحرير مجلة "شرق نامة"المتخصصة في الشؤون التركية والايرانية)
وبحسب التصريحات الرسمية الأميركية تهدف زيارة بوش إلى تحقيق هدفين أساسيين: أولاً تظهير نتائج مؤتمر أنابوليس للسلام، وصولاً إلى تسهيل تسوية ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وثانياً دعم الاستقرار الإقليمي والتأكيد على التزام واشنطن بأمن أصدقائها في الخليج، أي بصريح العبارة محاصرة إيران إقليمياً.
تنعكس أهداف الزيارة على محطاتها، فزيارة إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة ومصر هدفها الأساس دفع عملية السلام، أما زيارة السعودية والكويت والبحرين والإمارات فتندرج في خانة الهدف الثاني أي رص صفوف الاصطفاف الإقليمي في مواجهة إيران. أو بمعنى أدق إبقاء هذا الاصطفاف قائماً في مواجهة إيران حتى يتسلم رئيس أميركي جديد الملف، خصوصاً بعد الكشف عن سرية تقدير وكالة الاستخبارات الوطنية الأميركية بخصوص إيران وملفها النووي، والذي صب ماء بارداً على خطط بوش بشأنها.
سيستقبل قادة هذه الدول الرئيس الأميركي وهم على وعي بتغير الوضع، لذلك سيستمعون في كياسة ويداورون في لباقة دون أن يخشوا ضغطاً جديداً أو ينساقوا وراء تقديرات مبالغ فيها بشأن قدراته في عام ولايته الأخير. أظهرت تجربتهم مع بوش وإدارته أن وعوده بتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي، بما فيها إقامة دولة فلسطينية بحلول 2005، لا تصمد أمام اللاءات الإسرائيلية. ويختلف بوش عن رؤساء أميركيين عظام، مثل جيمي كارتر أو بيل كلينتون، من نواح عديدة أبسطها عدم إيمانه بالسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ناهيك عن قدرته على الالتزام بالوعد وإيمانه الديني الذي يذهب به حداً لم يبلغه أي من الرؤساء الأميركيين السابقين في الالتزام بأمن إسرائيل ومصالحها.
أظهرت تجربة الزعماء العرب مع بوش أن أولوياته هي في طور دائب من التبدل والتحول، وهو ما يفقد حلفاء واشنطن في المنطقة صدقيتهم أمام شعوبهم قبل خصومهم. والدليل الأبرز على ذلك تأرجح مواقف الإدارة الأمريكية حيال محور إيران وسوريا، من التصعيد إلى الحوار إلى المواجهة في الساحات المختلفة، على نحو يجعل حلفاء واشنطن خاسرين بخسارتها وخاسرين أيضاً عند ربحها. ستدخل السياسة الأميركية حيال إيران في عهد "البطة العرجاء" تاريخ العلاقات الدولية والمنطقة من أوسع أبواب الإفلاس السياسي، فلا بوش يستطيع توجيه ضربة عسكرية لطهران، ولا تسمح اقتناعاته الإيديولوجية "الإلهية" بخوض حوار استراتيجي جاد على قضايا المنطقة معها.
وواشنطن التي زادت من عديد قواتها المسلحة في المنطقة أكثر من أي وقت مضى، عاجزة عن ترجمة هذا الحضور العسكري الأضخم في تاريخ المنطقة إلى نفوذ سياسي، وهي النتيجة التي يمكن ملاحظتها بوضوح على طول المنطقة الممتدة من معبر خانقين شمالاً وحتى قطاع غزة جنوباً، مروراً بسوريا وجنوب لبنان. لم تؤدِّ حروب بوش في المنطقة، ومنها حرب احتلال العراق، سوى إلى تعزيز حضور إيران الإقليمي، أما "نشر الديموقراطية" على الطريقة البوشية فأفضى إلى تكبيل حركة حلفاء واشنطن في الإقليم، الذي تتباكى إدارة بوش على توسع النفوذ الإيراني فيه. وإذ تتحاور إدارته مباشرة مع طهران حول العراق، فإنها تضغط على الدول العربية لمنعها من إجراء حوار مماثل حول مصالح الطرفين المشروعة في المنطقة.
هزت شعارات "الوحي الإلهي" و"من ليس معنا فهو ضدنا" و"الحرب الصليبية" و"الفاشية الإسلامية" صورة أميركا في المنطقة والعالم كما لم تهزها أحداث الحادي عشر من أيلول الإرهابية، ولذلك سيتعين على خليفة بوش في البيت الأبيض أن يبذل الكثير والكثير من الجهد المخلص، لترميم الصورة وإزالة آثار العدوان على القانون الدولي والعلاقات الدولية والحريات الفردية في الولايات المتحدة الأميركية. كما أضعفت سياسات بوش من حظوظ المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة أمام أي من المرشحين الديموقراطيين اللامعين هيلاري كلينتون أو باراك أوباما، وبغض النظر عن اسم المرشح الجمهوري سواء كان رودي جولياني وجون ماكين أو مات رومني وحتى مايك هاكسبي.
تأتي "البطة العرجاء" إلى الشرق الأوسط بعد أن مسخت في عام ولايتها الأخير، فقد كانت فيلاً يحطم باندفاعاته الحمقاء توازنات المنطقة وحساسياتها، كلما التفت حطم وأينما اتجه هشم. لذلك لن تسفر جولة رئيس الدولة الأعظم في العالم إلى المنطقة عن جديد يذكر سوى اللقطات التذكارية الباهتة والكلمات الخالية من المعنى والبريق، إنها -على الأرجح- زيارة بوش الأخيرة إلى مقبرة أوهامه، حيث يرقد بسلام مشروعه الأكبر: "الشرق الأوسط الجديد".
- القاهرة
(رئيس تحرير مجلة "شرق نامة"المتخصصة في الشؤون التركية والايرانية)